سيد محمد طنطاوي
510
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذا » ؟ فقال : يا رسول اللَّه ، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا واللَّه حرى إن خطب أن لا يزوج ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله . فقال : رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يجهر بكلمة الحق في وجوه المستكبرين ، فقال . * ( وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . . ) * . أي : وقل : أيها الرسول - لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ، واتبعوا أهواءهم ، وكان أمرهم فرطا ، قل لهم : هذا الذي جئتكم به من قرآن هو الحق من ربكم وخالقكم . . فقوله : * ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) * خبر لمبتدأ محذوف . أو أن لفظ * ( الْحَقُّ ) * مبتدأ ، والجار والمجرور خبره . أي : الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم ، كائن مبدؤه من ربكم ، وليس من أحد سواه . وليس المراد من قوله * ( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) * التخيير بين الإيمان والكفر ، بل المراد به التهديد والتخويف ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك * ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً ) * . . إلخ . أي : قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذي يجب اتباعه ، فمن شاء أن يؤمن به فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب ، ومن شاء أن يكفر به فليكفر فإن عاقبته الخسران والعقاب ، كما بين - سبحانه - ذلك في قوله : * ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ) * . والسرادق : كل ما أحاط بغيره ، كالحائط أو السور الذي يحيط بالبناء ، فيمنع من الوصول إلى ما بداخله . أي : إنا هيأنا وأعددنا للكافرين بهذا الحق نارا مهولة عظيمة ، أحاط بهم سياجها إحاطة تامة بحيث لا يستطيعون الخروج منه ، وإنما هم محصورون بداخله . كما ينحصر الشيء بداخل ما يحدق به من كل جانب . وقوله : * ( وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه ، بِئْسَ الشَّرابُ ، وساءَتْ مُرْتَفَقاً ) * بيان لما ينزل بهم من عذاب عندما يطلبون الغوث مما هم فيه من كروب . والمهل في اللغة : يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض . كالحديد ، والرصاص ،
--> ( 1 ) رياض الصالحين للإمام النووي ص 131 باب فضل ضعفة المسلمين .